Skip to main content
س

- نظرية الذكاءات المتعددة  Multiple Intelligences

1- نظرية الذكاءات المتعددة  Multiple Intelligences

قبل التطرق لمضمون نظرية الذكاءات المتعددة ، و من أجل فهم أعمق لجوهرها ، لابد من المرور أولا على الرؤية السائدة في الأوساط التربوية و العلمية حول الذكاء ، قبل ثورة جاردنر ، أي لابد من من التعرف على النظرية التقليدية للذكاء .

1- النظرية التقليدية للذكاء

 

عرف المعجم الوسيط الذكاء بأنه “قدرة على التحليل والتركيب والتمييز والاختيار، وعلى التكيف إزاء المواقف المختلفة” (أنيس وآخرون – 1392هـ ص314).
والذكاء في قاموس التربية (intelligence) هو “القدرة على التكيف السريع مع وضع مستجد” (الخولي – 1980م – ص239).
و يتفق هذان التعريفان على كون الذكاء يعبر عن عملية التكيف و التأقلم مع المتغيرات، وهذا المفهوم وإن كان يبدو قصيراً لكن فيه من الشمول ما يجعله يحوي العديد من العناصر والمعطيات، فالقدرة على التأقلم مع المتغيرات يعني مهارة عالية ومرونة متميزة في تعاطي المستجدات سواء اجتماعية أو حركية أو ذهنية …

فالذكاء حسب النظريات التقليدية خاصية تختلف قوتها من فرد إلى آخر، و لاختبار قوة الذكاء لدى الأفراد ، وضع علماء النفس مجموعة كبيرة من الاختبارات وطلبوا من الناس أن يجيبوا عنها، ومن خلال هذه الحلول يقومون بتحديد مستوى ذكاء الفرد . و قد اعتمدت معظم هذه الاختبارات إما على كتابة مفردات أو القيام ببعض العمليات الحسابية أو إدراك العلاقة بين بعض الأشكال ، ولكنها في المقابل أهملت مواهب أخرى كالمواهب الرياضية والموسيقية التي يمتلكها كثير من الأفراد ولا يجدون ما يناسبهم في اختبارات الذكاء التقليدي . ( Joseph,1992 )

و كملخص لما سبق فإن المفهوم التقليدي للذكاء كان يدور في مجالات أساس لا تتجاوز التكيف وسرعة البديهة والفطنة وحسن التصرف .

2- نظرية الذكاءات المتعددة

لم تكن نظرية الذكاءات المتعددة وليدة الصدفة،بل كانت لها أسس و مرتكزات علمية ، و جاءت كتتويج لسيرورة طويلة و معقدة من الدراسات العلمية التي اهتمت بمفهوم الذكاء.

أولا: نشأة الذكاءات المتعددة

ارتبط مفهوم الذكاء بالعمليات العقلية المتعلقة بالذاكرة والمعرفة والإدراك والطلاقة والاستدلال والقدرة العددية والانتباه والاستيعاب وهناك العديد من النظريات التي حاولت تفسير الذكاء، ومن أوائل النظريات التي بحثت في الذكاء نظرية(سبيرمان) والتي تنظر إلى الذكاء بصورة بسيطة حيث أعتقد هذا الباحث أن الناس يختلفون في مدى ما يمتلكون من طاقة عقلية.

ثم أتى آخرون بعد (سبيرمان) أمثال(ثيرستون) و(جلفورد) و (كاتل) والذين حددوا أبنية القدرات العقلية بتفصيل أكثر.  ثم جاء ( ستيرنبرج) والذي أقترح نظرية تقوم على تحليل مكونات الذكاء وتحليل للأساليب التي يستخدمها الإنسان عندما يقوم بحل المشكلات وقد أعتبر أن هناك مظاهر أساسية للذكاء يجب أن تقوم عليها النظرية المكتملة في الذكاء العملي و الذي يستخدم في مواقف الحياة اليومية وليس من السهل قياسه لعدم سهولة حصر مواقف الحياة، والذكاء الإبداعي والذي يتجلى في اكتشاف حلول جديدة للمشكلات الجديدة أو اكتشاف حلول مختلفة غير مألوفة. وقد وسعت هذه النظرية مفهوم الذكاء لتغطي مجالات لم تؤكدها نظريات الذكاء الأخرى .  ثم جاء جاردنر واضع نظرية الذكاءات المتعددة والذي نحا نحواً مختلفاً عن بقية الباحثين في محاولته تفسير طبيعة الذكاء.  وقد أستمد نظريته من ملاحظاته للأفراد الذين يتمتعون بقدرات عقلية خارقة في بعض المجالات ، لكنهم لا يحصلون في اختبار الذكاء إلا على درجات متوسطة أو دونها ، مما جعله يعتقد أن الذكاء مؤلف من كثير من القدرات المنفصلة والتي يقوم كل منها بعمله مستقلاً استقلالاً نسبياً عن الآخر. و ترى النظرية أن الناس يملكون أنماطاً فريدة من نقاط القوة والضعف في القدرة العقلية .

ثانيا: مرتكزات نظرية الذكاءات المتعددة

تنطلق نظرية الذكاءات المتعددة من مسلمة مفادها أن  كل الأطفال يولدون ولديهم كفاءات ذهنية متعددة منها ما هو ضعيف ومنها ما هو قوي . ومن شأن التربية الفعالة أن تنمي ما لدى المتعلم من كفاءات ضعيفة وتعمل في الوقت نفسه على زيادة تنمية ما هو قوي لديه. أي أن هذه النظرية تتجنب ربط الكفاءات الذهنية بالعوامل الوراثية التي تسلب كل إرادة للتربية. وترفض هذه النظرية الاختبارات التقليدية للذكاء لأنها لا تنصف ذكاء الشخص فهي تركز على جوانب معينة فقط من الذكاء .

وقد قدمت نظرية الذكاءات المتعددة تفسيرا جديدا لإعادة النظر في قياس الذكاء الذي تجسده نظرية العامل العقلي QI، كما اهتمت بمحاولة فهم الكيفية التي تتشكل بها الإمكانات الذهنية للإنسان والطرق التي تهتم بها سيرورات التعلم.  وكانت أفكار(جاردنرGardener, H,1983 ) والتي حملها كتابيه ( أشكال العقل البشرى )و(إطارات العقل) ترفض فكرة أن الإنسان يمتلك ذكاء واحداً، بل ذكاءات مستقلة، يشغل كل منها حيزاً معيناً في دماغه، ولكل منها نموذج واضح في العقل، ونظام مختلف في الأداء.
إن الأمر يتعلق بتصور تعددي للذكاء، تصور يأخذ بعين الاعتبار مختلف أشكال نشاط الإنسان، وهو تصور يعترف باختلافاتنا الذهنية وبالأساليب المتناقضة الموجودة في سلوك الذهن البشري. و في هذا الإطار يقول جاردنر : ” إن الوقت قد حان للتخلص من المفهوم الكلي للذكاء، ذلك المفهوم الذي يقيسه المعامل العقلي، والتفرغ للاهتمام بشكل طبيعي للكيفية التي تنمي بها الشعوب الكفاءات الضرورية لنمط عيشها، ولنأخذ على سبيل المثال أساليب عمل البحارة في وسط البحار، إنهم يهتدون إلي طريقهم من بين عدد كبير من الطرق، وذلك بفضل النجوم وبفضل حركات مراكبهم على الماء وبفضل بعض العلامات المشتتة. إن كلمة ذكاء بالنسبة إليهم تعني بدون شك براعة في الملاحة. ولننظر كذلك إلى المهندسين والصيادين والقناصين والرسامين والرياضيين والمدربين ورؤساء القبائل والسحرة وغيرهم. إن كل الأدوار التي يقوم بها هؤلاء ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، إذا قبلنا تعريفاً جديداً للذكاء، باعتباره كفاءة أو قدرة لحل المشكلات أو إنتاج أشياء جديدة، ذات قيمة في ثقافةٍ ما أو مجتمع ما من المجتمعات، إن كل الكفاءات والقدرات التي يظهرها هؤلاء في حياتهم وعملهم تعتبر بدون شك شكلاً من أشكال الذكاء الذي لا يقتصر على المهارات اللغوية أو الرياضيات والمنطق، التي طالما مجدتها اختبارات المعامل العقلي، وعلى هذا الأساس، فإن نظرية الذكاءات المتعددة تقف موقفاً خاصاً من اختبارات الذكاء، التي طالما مجدت وقامت بإصدار أحكام بخصوص الطلاب ومستقبلهم الدراسي ”  (أحمد أوزي،1999).

ثالثا: الأسس التي قامت عليها نظرية الذكاءات المتعددة

أقام جاردنر نظرية الذكاءات المتعددة على عدة أسس، يمكن اختصارها في النقط التالية :

  •  الذكاء مجموعة متعددة من الذكاءات قابلة للنمو و التطور .
  •  يتوفر كل شخص على تكوين متفرد من الذكاءات المتعددة المتنوعة .
  •  تختلف الذكاءات في نموها داخل الفرد الواحد أو بين الأفراد بعضهم البعض .
  •  يمكن تنمية الذكاءات المتعددة بدرجات متفاوتة إذا أتيحت الفرصة لذلك .
  •  يمكن تحديد وقياس الذكاءات المتعددة، والقدرات المعرفية العقلية التي تقف وراء كل نوع.

فيما يلي، هاورد جاردنر متحدثا عن نظرية الذكاءات المتعددة

رابعا: أنواع الذكاءات المتعددة

نظرية الذكاءات المتعددة
يتحدث هوارد غاردنر عن مجموعة من الذكاءات المتعددة التي تتأثر بما هو وراثي فطري يولد مع الإنسان من جهة، و بما هو مكتسب من البيئة والوسط (الأسرة، والشارع، والمدرسة، والتربية، والمجتمع…). و قد صنف جاردنر هذه الذكاءات إلى ثمانية أنواع سنتطرق إليها بالتفصيل:
أ ـ الذكاء اللغوي: و يعني القدرة على إنتاج وتأويل مجموعة من العلامات المساعدة على نقل معلومات لها دلالة. و من يتمتع بهذا النوع من الذكاء يبدي السهولة في إنتاج اللغة، والإحساس بالفرق بين الكلمات وترتيبها وإيقاعها.
إن المتعلمين الذين يتفوقون في هذا الذكاء، يحبون القراءة والكتابة ورواية القصص، كما أن لهم قدرة كبيرة على تذكر الأسماء والأماكن والتواريخ والأشياء القليلة الأهمية.
يظهر الذكاء اللغوي لدى الكتاب والخطباء والشعراء والمعلمين، وذلك بحكم استعمالهم الدائم للغة، كما يظهر لدى كتاب الإدارة وأصحاب المهن الحرة والفكاهيين والممثلين.

ب ـ الذكاء المنطقي ـ الرياضي: يغطي هذا الذكاء مجمل القدرات الذهنية، التي تتيح للشخص ملاحظة واستنباط ووضع العديد من الفروض الضرورية للسيرورة المتبعة لإيجاد الحلول للمشكلات، وكذا القدرة على قراءة و تحليل الرسوم البيانية والعلاقات التجريدية والتصرف فيها.
إن المتعلمين الذين يتفوقون في هذا الذكاء، يتمتعون بموهبة حل المشاكل، ولهم قدرة عالية على التفكير، فهم يطرحون أسئلة بشكل منطقي ويمكنهم أن يتفوقوا في المنطق المرتبط بالعلوم وبحل المشاكل.
يمكن ملاحظة هذا الذكاء لدى العلماء والعاملين في البنوك والمهتمين بالرياضيات ومبرمجي الإعلاميات والمحامين والمحاسبين.

ج ـ الذكاء التفاعلي: يتمتع أصحاب هذا الذكاء بقدرة عالية على فهم الآخرين، وتحديد رغباتهم ومشاريعهم وحوافزهم ونواياهم والعمل معهم، كما أن لصاحبه القدرة على العمل بفاعلية مع الآخرين.
إن المتعلّمين الذين لهم هذا الذكاء يميلون إلى العمل الجماعي، ولهم القدرة على لعب دور الزعامة والتنظيم والتواصل والوساطة والمفاوضات.
يتجسّد هذا الذكاء لدى المدرسين والأطباء والتجار والمستشارين والسياسيين والزعماء الدينيين وأطر المقاولات.